|
بحر رمادي.....
بقلم:
سوسن خضر
قطعت
مخيم قلنديا ثم ترددت، هل فعلاً باستطاعتي أن أتقدًم أكثر؟ يبدو
ذلك..... أخذت أراقب لوحات السيارات الأخرى
لأتأكد من وجود سيارات تحمل
لوحة "ضفًة" غيري على نفس الطريق. لمحت سيارة أخرى فتشجعت. رحت أراقب
سليمان بالمرآة كلما تقدمت و أتفحص انطباعاته وأتساءل إن كان قادرا وهو
في هذا العمر ( 18 شهراً) على تمييز الطرقات الغريبة. ثم أخذت أفكر في
سبب ذهابي إلى هناك؛ هل اشتياقي إلى صديقتي غادة هو السبب أم أنها
الذريعة التي أتحجج بها حتى أقطع هذا الحاجز اللعين؟ تشوشت أفكاري حين
بدأت أقترب أكثر من الموقع و خانتني الذاكرة للحظات فما عدت أعلم أين
الاتجاه المسموح.
ارتبكت قليلاً حين شعرت بمدى قربي من الجنود وخطر في بالي أن أحدهم
سوف يوقفني في أي لحظة ليصرخ في وجهي ويأمرني بالرجوع فوراً إلى الخلف
ولكن هذا لم يحدث لأنني اكتشفت أن الطريق مفتوحة من الناحية الأخرى.
ولكن لماذا هذه الأزمة إذاً؟ ربما لأن الجميع يسير ببطء لنفس السبب؟
توقفت ثانية ثم أدركت أنه علي الذهاب يساراً ثم أخذت جانب الشارع لأسأل
بائع الترمس عن الطريق إلى الرَام، وتذكرت حينها بائع
الزَعتر وباقي الباعة الجوالة الذين كانوا يصطفون على جانبي الشارع.
ترى أين ذهبوا؟ أما زالوا أحياء يرزقون وكيف لهم أن يرزقوا ما دام
الحال قد تغير ولم يعد لهم حيز يبيعون فيه؟ فتحت النافذة و سألته:
"الرام من فين لو سمحت"؟ أشار بيده إلى اليمين وابتسم.... لا بد أنه
لاحظ ارتباكي الذي كان من الصعب أن أخفيه.
بدأ المشهد يأخذ طابعا مختلفاَ، فوجئت بمدى ضخامة ووحشية الكتلة
الإسمنتية وتهجمها الشرس على السيارات وأذهلتني تقاسيم الشارع الجديدة
حيث شطب نصفه الآخر الذي لم أعد قادرة على استرجاع معالمه السابقة وكأن
ذلك الجزء قد ألغي أيضا من ذاكرتي. نظرت مباشرة إلى الوراء وتمنيت أن
يكون سليمان قد نام كي لا يشعر بانزعاجي لكنه كان ينظر أيضاَ إلى يمينه
لا أعرف إن كان مندهشاً أو مبالياَ مثلي بما يراه. أخذت أسرع أكثر ثم
أبطئ حتى لا يفوتني شيء وبدأت دون أن أشعر بمخاطبة سليمان؛ قلت له أننا
ذاهبان لزيارة صديقه أكرم، طلبت منه أن يستدر إلى الناحية الثانية حيث
كان الأفق أوسع بقليل لكنه طبعا لم يستجب وبقي محدقاً بنفس الاتجاه
وأصر على الوضعية ذاتها ربما لأنه ألف المشهد فرحت أخبره عما وراءه.
وصفت له عالماً ليس باستطاعته أن يراه. حزنت لأجله ثم تذكرت أن الإنسان
لا يفتقد ما لا يعرفه......
حماستي و حدسي قاداني فوراً إلى المنزل الذي طالما اعتقدت أني نسيت
الطريق المؤدي إليه. نزلنا أنا وسليمان من السيارة، قرعت الباب، لم
يفتح أحد، انتظرت قليلاً علها مشغولة بأمر ما لكنها لم تفتح. لم أكن قد
اتصلت بها لأني أردت مفاجأتها وغاب عن ذهني أن تكون هي بدورها قد أخذت
أكرم لتفاجئ إحدى صديقاتها.
شعرت بثقل اللحظة.....لكن طريق العودة كانت أخف وطأة حيث أن المحلات
التجارية أصبحت على يميني وجملت المنظر قليلاً وجعلته يبدو أكثر
إنسانية. قلت في نفسي هذه المرة "يا مسكين يا سليمان من المؤكد أن
عالمك بداخلي كان أوسع لكن ماذا أفعل؟ كان لا بد لك أن تأتي بل و أتيت
مستعجلا متلهفا قبل الأوان. لقد ضقت بك و ضقت بي. دعنا من لغة الأسف
وهات نفكر بطريقة لتوسيع هذا الأفق الخانق" اقترحت عليه لعبة الخيال
حيث باستطاعته أن يتخيل الجهة المقابلة بحرا يتصل مع السماء لونه
رمادي، بحرا ليس فيه سمك ولا أمواج والعصافير وحدها قادرة على التحليق
من فوقه...بحرا بلا شاطئ ولا رمل....لا... لم تنجح طريقتي في تجميل
الواقع، تراجعت عن الفكرة و عن لعبة الخيال. ثم خطرت ببالي فكرة أخرى؛
لماذا لا نغطي هذا المارد بمرآة على طول امتداده تماما كما يفعلون في
محلات الحلويات لتعط إحساساً بمساحة أوسع؟ لا. فهذه أيضاً فكرة مجنونة.
نظرت إلى سليمان ووجدته هذه المرة مستغرقاً في نوم عميق يعكس قدرا من
الراحة.
تأملته قليلا وقلت "لا بد انه استمتع بالمشوار الذي خرج به عن الطريق
المألوف".
رام الله- 2006
|