شرف معلق على جسد!

 بقلم: وفاء عبد الرحمن
8/7/2006 

في زحمة الانشغال بالقضايا السياسية، ينتهزون الفرصة ويقنصون جسدها الضعيف، يستغلون الحديث الذي لا ينقطع عن الانفلات الأمني، ينفلتون ضد جسد واثقين أن الانفلات العام الذي يجري الحديث عنه لا يشملهم، والعقوبات التي نطالب بتطبيقها على من ينتهكون سيادة القانون لا تنطبق عليهم..!

في الثلث الأول من نيسان قتلت "يسرى العزامي" من بيت لاهيا على يد عناصر من حركة المقاومة الإسلامية حماس (نفت الحركة علاقتها بهم) بشبهة "ممارسة غير أخلاقية". يسرى قتلت بعد نزهة قصيرة على شاطئ غزة بصحبة خطيبها.. نسيت خلالها أن تحمل "لافتة" تعلن فيها علاقتها الشرعية بزوج المستقبل، لم يغفر لها الحجاب الذي ترتدي، ولم يغفر لها وجود أختها وخطيب أختها، لم يغفر لها تصويتها للكتلة التي ينتمي إليها قاتلوها، لا شيء يغفر لهذا الجسد المختبئ وراء حجاب، لا يهم، فهو هدف شرعي للقتل!

وبالأمس القريب وفي سابقة خطيرة قتلت "فاتن حبش" الشابة التي أحبت شاباً من خارج دينها، فاتن قضت أكثر من شهر في المستشفى بعد اعتداء أبيها عليها وإصابتها إصابات أسكنتها المستشفى.  بالأمس كان عيد الفصح، خرجت فاتن مطمئنة لقضاء العيد مع أسرتها، تحمل جسدها الضعيف المريض الذي لم يشفع لها لتسكنه طعنات الأب الساخط ويزهق روحها. وبالأمس غير البعيد قتلت وبذات الطريقة أحلام وشروق وأمل و.. و.. و.... كثيرات هن والذاكرة تزدحم بأسمائهن التي نشرتها الصحف، وأحياناً أخفتها متعمدة.. محاضر الشرطة تزدحم بأسماء أكثر، وثائق المستشفيات تحمل أسماء أخرى يزور فيها سبب الوفاة ليصبح "أسباب طبيعية" لموت غير طبيعي!

من القاتل؟ قليلاً ما نعرف اسم القاتل، وبالدرجة الأولى هو لا يحمل لقب "قاتل"، بل هو المدافع عن شرفه، هو المستأسد لكرامته الساكنة ذلك الجسد!

واليوم قتلت عروس شابة في بلدة بيتونيا على يد زوجها الذي اتخذها زوجة ثانية ليقتلها

كل يوم نجمة تهوى بشبهة "جسد"، وكل يوم نيشان يصعد بكذبة "شرف"!

وكلما سقطت نجمة نشعر بثقل العتمة، نخاف أن تسقط كل النجوم في بلادنا، فنخرج منددين باحثين عن القاتل رافعين أصابع الاتهام الموجهة لعشاق الظلام، وموجهة للسكين التي ذبحت، ولابن الدم الذي تحولت دماءه إلى ماء في لحظة سماها القانون "لحظة غضب"!

أي لحظة تلك التي تزهق فيها روح ويتمزق فيها جسد، هي دهر وقد تكون سنة، من يضع القانون ومن يقرر أن القتل لم يتم مع سبق الاصرار والترصد والتمهل والتمعن والدراسة واجتماع مجلس العائلة؟

إذن ليست هي لحظة، وليس هو غضب، إذن هو "دفاع" عن "شرف" يقول القانون مرة أخرى، ويبرر القاضي!

ولا أدري عن أي دفاع يتحدثون، هل تدافع السكين عن نفسها أمام اللحم فتقطعه؟ إذن على اللحم أن يعتذر للسكين وعلينا جميعاً أن نعتذر للسكين والرصاصة الغادرة! تماماً كما علينا أن نعتذر لجيش "الدفاع" الإسرائيلي الذي يذبحنا ويهدم بيوتنا ويقتلع أشجارنا، لم لا وهو جيش الدفاع!

ثم يقولون الشرف!

عندما تغتصب الابنة أو الأخت أو ذات صلة رحم، ندفنها بادعاء غسل العار ونظافة الشرف! وعندما يخون الوطن ابن أو أب أو ابن عم ندخل قاعات المحكمة نقلبها فوق رأس القاضي ونقف مع الابن الذكر وننسى شرف الوطن وشرف الشعب وشرف القضية.. لم أسمع يوماً أن عائلة قامت بقتل ابنها "الخائن"بدعوى الدفاع عن شرف العائلة! لم أسمع أن عائلة قامت بقتل ابنها السارق، أو المرتشي أو الفاسد بدعوى "غسل العار"!

عن أي شرف يتحدثون؟ أهو الشرف المعلق على جسد أنثى؟ ماذا عن شرف الوطن؟ وكرامة المواطن؟ أليس هذا أسمى أنواع الشرف؟

من الذي يضع تعريف المصطلحات؟ ومن الذي يقررها؟ من الذي يضع القوانين وينفذها؟ من يعين القضاة ويضع في أيديهم شرف أمة وكرامتها؟ وأيضاً يضع بين أيديهم أرواح كل امرأة وفتاة أزهقت ولم تهدأ في انتظار من ينصفها؟

الاجابة هي نحن! نحن الذين قتلنا فاتن ويسرى وشهد وأمل... نحن جميعاً قتلناهن! نحن جميعاً شركاء في الجريمة وبذات المقدار، ونحن تعود علينا كلنا، نحن السكين التي ذبحت، ويد ذوي القربى التي حملتها، نحن القانون الذي عفى عليه الزمن وعلق وسام البطولة على صدر السكين، ونحن القاضي الذي لم يسلم روح الضحايا لراحتهن الأبدية بانصافهن! ونحن السلطة التشريعية التي خدمت لثماني سنوات دون أن تضع هذا القانون على أجندتها وآثرت بقاء الوضع كما هو عليه خوفاً على مقاعدها ! ونحن الأطباء الذين نسينا القسم الذي أقسمنا وزورنا شهادات الوفاة لطمع، أو خوف! ونحن السلطة التنفيذية، التي أغمضت أعينها عن فحص شهادة موت طبيعي ندرك جيداً أنها شهادة قتل! ونحن السلطة التنفيذية التي تعيد الضحية إلى قاتليها رغم استغاثتها الأخيرة مكتفية بتعهد السكين بأن لا يقطع الرقبة! ونحن السلطة التنفيذية التي تلقي بعبئ العمل على الأطر القبلية الرجولية والعشائرية التي تبيع دم الضحية وتضعه في صك مرفق باعتذار الضحية لقاتلها..!

ونحن الفصائل والقوى الدينية والسياسية التي خرست ألسنتها للمحافظة على "الوحدة الوطنية" التي يبدو أن الطريق إليها يمر عبر أقمار تنطفئ!

ونحن أيضاً الحركة النسوية التي تخرج دائماً لحظة الدفن!

وأخيراً نحن كل المجتمع ولا أستثني أحداً، نصفق للجلاد ونجلد الضحية..

باقة ورد لروح كل نجمة هوت، باقة ورد وعزاء