هل حقاً ضاعت فلسطين؟

بقلم: سعيد رجب

                                                                                                                                 غزة

خارجة من منزلها الكائن في حي التفاح شرق مدينة غزة لزيارة أخيها القاطن في بيت لاهيا، كانت ام وائل ذات الخامسة والستين عاماً مطمئنة البال، إلى أن وصلت إلى مقربة من عزبة عبد ربه حين انتفضت على صوت توقف سائق السيارة المفاجئ وأصوات القنابل والقذائف القريبة من المكان تهز كل شيء حولها وتكاد تنتزع السيارة من مكانها.. الانفجارات تتواصل وتشتد في دقائق خالتها سنوات، وحين توقفت، أخذت أم وائل تلهث بالدعاء والصلوات "ربنا يرفع عن الشعب".. السائق المتوقف أخذ يعبث بمؤشر الراديو في سيارته عله يجد خبراً يفسر هذه الانفجارات.. نعم الاحتلال يدك غزة في هذه اللحظة من شمالها إلى جنوبها.. الانفجارات تذكر أم وائل بحرب عام 1967، واحتلال الجيش الإسرائيلي لما تبقى من فلسطين.. هل عادت الحرب مرة أخرى؟؟

أم وائل طلبت من السائق أن يعود أدراجه ويعيدها للبيت، يجب أن تطمئن على وائل.. قلبها يدق بسرعة ودموعها تنزل أسرع..وصلت للبيت تبحث عن وائل الذي لم يكن موجوداً هناك، وأم وائل تلعن الجوال الذي لا يعطيها سوى رد واحد "لا يمكن الوصول إلى الرقم المطلوب حالياً".. كم كرهت هذه الاسطوانة المسجلة.

عاد وائل بعد ثلاث ساعات مغطى بالغبار والدماء، فالقصف قد طال مكاناً كان يمر به، أسرعت أمه إليه تضمنه وتبكي وتعاتب، ألم يخطر بك ان تتصل لنطمئن عليك؟

أم وائل لا تريد أن تستذكر تلك الأيام في حرب النكسة، تقول لن أترك بيتي، لن أهاجر مرة اخرى وأتشرد ألا يكفينا ما تشردناه؟ ولكن القصف على الحي لم يترك لها الخيار، كيف ستطمئن على وائل إن لم تخرج من البيت بصحبته؟ يجب ان تكون معه ولكنها حتماً ستعود للبيت الأهم الآن هو انقاذ عائلتها وأرواحهم.. حملت حاجياتها الأساسية وتركت منزلها إلى مكان أكثر أمناً ولسانها يعد بالعودة وقلبها يتقطع لترك البيت.. كم بيت عليها أن تودع؟ أباها قال لجدها "لا تحزن يا أبي كلها أيام وسنعود إلى بيتنا في الرملة" وها هو ابنها يقول لها سنعود إلى بيتنا في الزيتون.. فهل تصدقه؟ 

في إحدى الصباحات تستيقظ أم وائل على صوت ابنها يقول لها أمي انهضي لقد انتهت الحرب، ظنت أم وائل أنه يهون عليها، يكذب عليها، ولكنها قررت أن تصدقه.

خرجت إلى الشارع اتجهت نحو بيتها وهي تعد في نفسها جدولاً سريعاً لزيارة الأهل والأحبة والأقارب والجيران.

وصلت إلى الحي، لم يكن هناك حي، تهدم وبقي بعض تلال الركام، أسرعت تتفقد ما تبقى من بيتها وبيوت الجيران والأصدقاء، البيوت انقصفت على رؤوس ساكنيها، ولم يعد لعزبة بيت حانون ما يعطيها شرف التسمية، لا شجر ولا حجر..

هامت ام وائل على وجهها غير مصدقة.. هل حقاً ضاعت فلسطين؟