|
قنديل كبير يهاجم غزة
بقلم: صفاء جبر
مدينة غزة
صباح جميل لراما ذات الخمس سنوات تعود فيه إلى روضتها التي تحب بعد
عطلة الجمعة، السبت 27 ديسمبر يوم عادي لراما ولأخيها يوسف الذي يصغرها
بعامين ويذهب بصحبتها لذات الروضة.
الساعة الحادية عشرة انقلب اليوم العادي في غزة، ثلاث دقائق ونصف من
القصف المكثف على كل القطاع كان أشبه بزلزال.. راما الخائفة تجري إلى
حضن مربية الفصل، ردة فعل طبيعية لكل أطفال الصف.. الخوف الغريزي
والبحث الغريزي عن مصدر أمان تمثل في تلك اللحظة بمعلمة الصف، هو أيضاً
البحث عن الإجابة، ما الذي حدث للتو؟؟
والمعلمة الخائفة بدورها انطلقت باتجاه الأطفال تحتضنهم، أصبحوا لها
مصدر الأمان، أو قد تكون هي مشاعر الأم الطبيعية التي تريد أن تحمي
أطفالها من العدوان.. المعلمة الأم تحتضن أطفالها الذين ينظرون إليها
بخوف وعطش للإجابة "ما هذا الصوت المخيف؟"
المعلمة الخائفة المدربة على أصول التعامل مع الأطفال، اخترعت في ثانية
تفسير يتناسب ومخيلة أطفالها دون ان يخيفهم، ولكنه يجب أن يكون كافيا
ليحذرهم أن الوضع سيئ، قالت " هناك قنديل بحري كبير قد خرج من بحر غزة،
وأن هذه القذائف هي لقتله قبل أن يلسع الناس ويمنعهم من الاقتراب من
البحر"
راما صدقت الحكاية التي علقت بعقلها، وأصرت على تلك الرواية ولم تقبل
غيرها.. نعم هناك قنديل كبير يهاجم الناس في غزة.
الأيام التي تلت لم تكن سهلة على راما، فهي ممنوعة من الخروج إلى
الشارع والذهاب لروضتها التي تحب او حتى الوقوف على شرفة المنزل، يا
ترى لماذا لم تستطع كل تلك القذائف النازلة من السماء والآتية من البحر
أن تقضي على القنديل؟ يا ترى كم حجمه؟ هل هو اكبر من البحر؟ متى سيموت؟
ولماذا انقطعت الكهرباء لأيام في بيتنا؟ من قطع الكهرباء والماء هل هو
القنديل أم القذائف التي تحاول قتله؟ لماذا تختبئ كل العائلة في غرفة
واحدة ليل نهار؟ لماذا لا أستطيع ان أنام في سريري ويجب أن أحشر بين
جدتي وأمي؟ وهذا يوسف، لماذا انفتحت شهيته للكلام والأسئلة؟ لا أستطيع
التفكير والتركيز، القنديل يأتيني في الليل وأراه أمامي في النهار..
متى سيموت القنديل؟
يوسف ذي الثلاث سنوات كثير الأسئلة، كثير الحركة، لا أحد في البيت
يستطيع الرد على كل أسئلته الصعبة، ولا أحد يستطيع السيطرة على حركته..
يوسف يعبر عن انزعاجه كل لحظة من هذه الطائرة الزنانة التي لا تتوقف عن
ازعاجه لدقيقة واحدة، هو لا يفهم كيف أنها تظل صاحية كل الليل ولا تذهب
إلى بيتها، يزعجه الصوت العالي، تزعجه ماكنة الحلاقة للرجال، وهذه
الزنانة تبدو ماكنة حلاقة عملاقة تحلق شعر السماء بلا توقف!
يوسف أعلن كرهه الشديد لماكنات الحلاقة، وازداد التصاقاً بأمه، هو
أيضاً يرفض أن يحلق شعره وينتظر عودة والده من السفر.. يوسف يتحدث
لأبيه عبر الهاتف كل يوم، وكل يوم يطلب منه أن يرسل له ولأمه وأخته
سيارة تحملهم لمعبر رفح للخروج من غزة، كل مبررات الأب لم تعد مقنعة
ليوسف، ماذا يعني إغلاق المعبر؟ وماذا يعني عدم توفر السولار للمركبات؟
وأي حواجز تلك التي ستمنعني من رؤية أبي والاختباء في حضنه؟ لماذا
يخترع أبي الاعذار؟ نريد الخروج من غزة فقد أتعبتني زنانة الحلاقة
العملاقة!
انقطاع التيار الكهربائي عن البيت كان نعمة لنا نحن الكبار، فعلى الأقل
رحمنا من مشاهدة الاخبار والفظائع التي حدثت في غزة، وبالتالي ليس
مطلوب منا ان نخترع اجابات لأسئلة راما ويوسف الذين لم يدركا بعد حجم
الدمار الذي سببه قنديل البحر وماكينة الحلاقة العملاقة..
أخاف أن يعودا إلى الروضة غداً ويرجعا بآلاف الأسئلة يمطروننا بها..
ماذا سأقول لهم؟؟ هل نجحنا في قتل قنديل البحر الذي لن يعود مرة اخرى؟؟
هل ستتوقف ماكنة الحلاقة عن اصدار أصواتها المرعبة؟ هل يمكن أن أعدهم
بأن الاطفال لن يخافوا مرة ثانية وأنهم سيعودون للعبهم ولهوهم كما
كانوا يفعلون ذات يوم؟
سأفكر في حكاية جديدة أرويها لهما.. لعل وعسى أن يناما ملئ جفونهما دون
كوابيس ودون خوف من الغد. |