|
الزيت والزعتر من أجل ماذا؟
بقلم:
بيسان أبو رقطي
كل
الحب والتقدير للأكلة الشعبية الفلسطينية "الزيت والزعتر" والتي اعتبرت
من قبل الكثير من الشعوب العربية الشقيقة بمثابة الوصفة السحرية "لتفوق
الفلسطيني وذكائه" حتى أصبحت وجبة معتبرة لأبناء الشعوب "الغنية" في
بلاد النفط.
وهنا لا أحد ينتقص من أهمية هذه المكونات على الطبق الفلسطيني اليومي
في كافة أماكن تواجده ولدى كافة طبقاته، وكما هو معلوم فان هذا الطبق
أيضا مهدد بألا يعد "نصيب الفقراء من الدنيا" في ضوء الإتيان على آلاف
أشجار الزيتون المقدس في بلادنا بفعل الجرافات الاسرائيلية وابتلاع
الأراضي، وما نتج عنه من ارتفاع أسعار الزيت وابتعاد الفرد الفلسطيني
عن الفلاحة والعناية بالأرض والتوجه نحو الطبيعة الاستهلاكية الخدماتية
للحياة المعاصرة.
لقد أصبح الزيت والزعتر صالحا أيضا كمدخل للحديث في السياسة في هذا
الزمن الردئ، وهنا أقتبس من السيد رئيس الوزراء، اسماعيل هنية في خطبة
الجمعة في جباليا أمام جماهير حركته قوله سنأكل الزيت والملح والخبز.
وأتساءل لماذا التبسيط في المسائل السياسية المعقدة إلى هذا الحد؟
لماذا نطعم أبناءنا الزيت والزعتر؟ من أجل ماذا؟ بأي هدف؟ والى متى؟
ربما كان الأجدر بالسيد رئيس الوزراء لو طرح خطة متكاملة من خلال
البرلمان أو في مؤتمر صحفي رسمي، وليكن قوامها سياسة شد الحزام على
البطون، والابتعاد عن لغة العاطفة وشحذ الهمم التي سأم منها الشعب
الغلبان.
لقد جرب هذه الوسيلة الكثير من شعوب العالم ومن ضمنها شعوب محيطة بنا
لتجاوز أزمات تنموية واقتصادية محددة، ففي مصر، على سبيل المثال، هدفت
هذه السياسة إلى تسديد ديون الدولة المتراكمة، وفي سوريا هدف التقنين
إلى تشجيع الصناعة المحلية والاستغناء عن الاستيراد من الخارج،
وبالتالي في حالتنا فان السؤال مشروع عن هدف هذه السياسة ومداها؟
لم يعد مقبولا بعد اليوم أن يكون الجواب مرتبطا بالركوع والصمود وما
الى ذلك من الاسطوانات المشروخة والشعارات التي فقدت وهجها من كثرة
استعمالها في الحالة الفلسطينية.
فالحاجة لإجابة عملية مقنعة تخاطب العقل (وتخاطب الشعب كله من خلال أطر
رسمية) أصبحت حاجة ملحة حتى لا يفهم الأمر على أن جوع الشعب هو من أجل
البقاء في سدة الحكم دورة دستورية كاملة لأحد الفصائل؟
إن
تبسيط الأمر على أن الجوع قضية بيولوجية بحتة لها علاقة بالبطون
الخاوية والإرادة الصلبة والقدرة على الاحتمال، انما هو استخفاف آخر
بالعقول، فالمسألة أيضا لها تداعيات تنموية خطيرة تؤثر على حياتنا
اليومية وعلى المستقبل في الآن ذاته، كظاهرة العنف الأسري والمجتمعي،
الوضع الصحي للمواطنين، الخدمات التعليمية، معدلات الجريمة، معدلات
الهجرة، وغيرها من الظواهر السلبية والمهددة لمستقبل الوجود الفلسطيني
ونوعيته على هذه الأرض.
من
حق الحكومة الحالية الحفاظ على وجودها لأربع سنوات قادمة ولكن ليس بأي
ثمن وليس من حقها في سبيل ذلك أن تسلم الحكومة التي تليها ارث تنموي
مدمر، كما سلمتها الحكومات التي سبقتها ارث مالي واداري هش وفاسد (طبعا
ناهيك في الحالتين عن السياسي) وبالتالي لم يعد مقبولا على أي حكومة
العبث بهذا الشعب ومستقبله والعمل دون ايضاح أهداف وسياسات الحكم
وآليات عمل محددة المعالم قوامها أولا وأخيرا الصالح العام، حتى لا
تصبح أكلتنا الشعبية المفضلة صعبة المنال أيضا. |